حذّر الكاتب شون ماثيوز من اقتراب إثيوبيا وإريتريا من مواجهة عسكرية شاملة، قد تتجاوز حدود البلدين وتستدرج قوى إقليمية إلى صراع يهدد استقرار منطقة البحر الأحمر، التي تعصف بها بالفعل الحرب في السودان واليمن. وأشار إلى أن تصاعد التوترات بين أديس أبابا وأسمرة، إلى جانب تشابك المصالح والتحالفات الإقليمية، يرفع احتمالات اندلاع حرب واسعة يصعب احتواؤها.
وفي تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، أوضح ماثيوز أن الصراع يتخذ ثلاثة أبعاد مترابطة، تتمثل في الانقسامات الداخلية الإثيوبية، والتوترات التاريخية بين إثيوبيا وإريتريا، ودور القوى الشرق أوسطية في دعم أطراف النزاع وتعزيز نفوذها في منطقة القرن الأفريقي.
الانقسامات الإثيوبية والتوتر التاريخي مع إريتريا
تتمحور الأزمة في جوهرها حول الصراع بين الجماعات العرقية الإثيوبية على إدارة شؤون البلاد، في ظل تنوع إثيوبيا الذي يضم نحو 80 مجموعة عرقية، أبرزها الأورومو والأمهرة والتيجراي والصوماليون والعفر، وتمتلك بعض هذه المجموعات ميليشيات مسلحة قوية.
ويسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الانتقال من نظام الحكم القائم على الفيدرالية العرقية إلى نظام أكثر مركزية. واندلعت المواجهات الأخيرة بعدما شنّت جبهة تحرير شعب تيجراي هجومًا في سبتمبر، متعهدة بإسقاط حكومة آبي أحمد. وحققت الجبهة مكاسب أولية، شملت السيطرة على ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، قبل أن تستعيد القوات الحكومية زمام المبادرة وتطرد مقاتليها من مواقع رئيسية.
وتعود جذور التوتر بين إثيوبيا وإريتريا إلى عقود طويلة. فبعد الحرب العالمية الثانية، ارتبطت إريتريا، التي كانت مستعمرة إيطالية، بإثيوبيا ضمن نظام اتحادي، قبل أن تضمها أديس أبابا إليها بصورة أحادية عام 1962. وبعد تمرد مسلح استمر ثلاثة عقود، نالت إريتريا استقلالها عام 1993 عقب استفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة.
ورغم أن البلدين تحالفا في الحرب الأهلية الإثيوبية بين عامي 2020 و2022 لمحاربة جبهة تحرير شعب تيجراي، فإن علاقاتهما ظلت متوترة. وتسعى إثيوبيا إلى الحصول على منفذ سيادي إلى ساحل البحر الأحمر، فيما تتهم إريتريا أديس أبابا بالسعي إلى الاستيلاء على أراضيها الساحلية، وتدعم بدورها جماعات مسلحة معارضة للحكومة الإثيوبية.
واتهمت أديس أبابا أسمرة هذا الأسبوع بإرسال آلاف الجنود عبر الحدود لمساندة جبهة تحرير شعب تيجراي. ونقل «ميدل إيست آي» عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وأفارقة حاليين وسابقين أن القوات الإريترية دخلت إقليم تيجراي وشاركت في القتال. كما أفادت مجموعة «أكليد» المعنية برصد النزاعات بأن القوات الإثيوبية شنّت ضربات بطائرات مسيّرة على القوات الإريترية يومي الأربعاء والخميس.
وأغلقت إثيوبيا وإريتريا سفارتيهما هذا الأسبوع، فيما رجّح مسؤول أوروبي رفيع سابق، مطلع على تطورات الأزمة، أن تعلن إثيوبيا الحرب رسميًا على إريتريا خلال الأيام المقبلة.
وفي رسالة إلى الأمم المتحدة، اتهمت إثيوبيا إريتريا بارتكاب «عمل عدواني سافر» يمنحها، بحسب قولها، الحق الأصيل في الدفاع عن النفس. ورد وزير الإعلام الإريتري، يماني جبريمسكيل، بأن إثيوبيا أعلنت عمليًا حربًا عدوانية على بلاده عندما أكد آبي أحمد أمام البرلمان، في 13 أكتوبر 2023، أن حكومته ستسعى إلى تأمين منفذ سيادي إلى البحر، عبر التفاوض إن أمكن، أو باستخدام القوة إذا لزم الأمر.
وقال تيكيدا أليمو، الدبلوماسي الإثيوبي المخضرم والسفير السابق لدى الأمم المتحدة، إن البلدين يخوضان حربًا فعلية، حتى في غياب إعلان رسمي. ورغم الأداء القوي للقوات الفيدرالية الإثيوبية حتى الآن، حذّر من أن جبهة تحرير شعب تيجراي أثبتت قدرتها على إعادة تنظيم صفوفها واستعادة قوتها، بعدما أجبرت القوات الحكومية على الانسحاب من أجزاء من الإقليم عام 2020.
تحالفات مسلحة تهدد حكومة آبي أحمد
تفاقم المشهد الداخلي في إثيوبيا بعدما أعلنت جبهة تحرير شعب تيجراي، في سبتمبر، تشكيل تحالف مع ست جماعات مسلحة أخرى، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد. ويضم التحالف جماعة «فانو» المسلحة، التي تتألف أساسًا من مقاتلين من قومية الأمهرة، إلى جانب جيش تحرير الأورومو، الذي يضم مقاتلين من القومية نفسها التي ينتمي إليها رئيس الوزراء.
وتاريخيًا، اضطلعت النخب المنتمية إلى قومية الأمهرة بدور بارز في حكم إثيوبيا؛ إذ انتمى إليها الإمبراطور الأخير هيلا سيلاسي، كما انتمى إليها عدد من أبرز قادة نظام الديرج، الذي حكم البلاد بدعم من الاتحاد السوفيتي بين عامي 1975 و1991. وبعد سقوط ذلك النظام، هيمنت جبهة تحرير شعب تيجراي على السلطة حتى وصول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018.
ولا يحظى التحالف الجديد بإجماع داخل المجموعات العرقية التي ينتمي إليها أعضاؤه، كما لا يتفق جميع الأورومو أو الأمهرة على هدف إسقاط الحكومة. ومع ذلك، يرى تيكيدا أليمو أن التحالف يمثل قوة لا يمكن تجاهلها، رغم أن أهدافه العسكرية ومدى قدرته على شن حرب شاملة لا يزالان غير واضحين.
واتهمت أديس أبابا إريتريا بالوقوف وراء تشكيل التحالف، بهدف الإطاحة بآبي أحمد، بينما نفت أسمرة هذه الاتهامات. وحذّر مسؤولون إريتريون، في تصريحات للموقع، من المخاطر التي يشكلها التحالف على الحكومة الإثيوبية.
لكن محللين شككوا في قدرة التحالف على تحقيق أهدافه، مشيرين إلى أن جبهة تحرير شعب تيجراي بالغت في تقدير قوتها وحجم الدعم الذي ستحصل عليه من الأمهرة والأورومو.
ورأى مسؤول غربي سابق أن آبي أحمد ربما استغل تحرك الجبهة في سبتمبر لتفجير التوترات الكامنة مع إريتريا، بما يتيح له فرصة التحرك نحو ساحل البحر الأحمر. وأوضح أن إثيوبيا قد لا تكتفي بمواجهة القوات الإريترية على الأرض، بل قد تشن هجمات جوية تستهدف التقدم نحو أسمرة وميناء عصب، دون التوقف عند الحدود المشتركة.
من جانبه، قال المحلل الإريتري سيراك كيفلي إن إثيوبيا تسعى منذ فترة طويلة إلى إيجاد مبرر للتحرك نحو البحر الأحمر والاستيلاء على الموانئ الإريترية. وأشار إلى أن أديس أبابا حشدت نحو 400 ألف جندي في تيجراي، لكنه تساءل عن قدرة القوات الإثيوبية على مواصلة القتال على المدى الطويل، رغم تفوقها العددي.
وفي المقابل، يرى محللون أن الجيش الإثيوبي أصبح في وضع أفضل مقارنة بالحرب السابقة، مستفيدًا من الموارد الاقتصادية والعسكرية والدعم الذي يتلقاه من الإمارات وإسرائيل.
البحر الأحمر ساحة لصراع إقليمي أوسع
تتجاوز تداعيات المواجهة المحتملة حدود إثيوبيا وإريتريا، في ظل شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية التي قد تدفع دولًا أخرى إلى التدخل. فإثيوبيا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الإمارات وإسرائيل، وقد حصلت على طائرات مسيّرة ومنظومات تسليح إماراتية. وتخشى إريتريا أن تدعم الدولتان مساعي أديس أبابا للسيطرة على ساحل البحر الأحمر، بما يتيح لها الوصول إلى منطقة استراتيجية ذات أهمية عسكرية وتجارية.
في المقابل، عززت إريتريا علاقاتها مع الصومال ومصر والقوات المسلحة السودانية، التي تعارض سياسات حكومة آبي أحمد. كما اقتربت أسمرة من السعودية، في ظل تباين مواقف الرياض وأبوظبي بشأن ملفات إقليمية، من بينها الحرب في السودان وقضية أرض الصومال.
وتشكل الخلافات الإثيوبية المصرية أحد أبرز عوامل تعقيد الأزمة. فقد تصاعدت مخاوف القاهرة من إثيوبيا بعد استكمال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، فيما تثير خطط أديس أبابا لإنشاء سدود جديدة على نهر النيل قلق مصر بشأن أمنها القومي. كذلك تعارض القاهرة احتمال حصول إثيوبيا على موطئ قدم عسكري أو بحري على ساحل البحر الأحمر.
وتوترت العلاقات بين إثيوبيا والصومال أيضًا، بعدما أثارت تحركات أديس أبابا نحو الاعتراف بأرض الصومال، الإقليم الانفصالي الذي تعترف به إسرائيل، مخاوف الحكومة الصومالية في مقديشو.
أما في السودان، فتتشابك مصالح أطراف النزاع بصورة تزيد المشهد تعقيدًا. إذ تدعم إثيوبيا قوات الدعم السريع، وهي ميليشيا تحظى بدعم إماراتي وتواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، بينما تدعم إريتريا وإثيوبيا القوات المسلحة السودانية، وفق ما أورده التقرير بشأن مواقف الأطراف المختلفة. كما تقاتل جبهة تحرير شعب تيجراي إلى جانب الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع.
وفي تحرك يعكس القلق من اتساع رقعة الحرب، اجتمعت مصر والسودان والصومال وإريتريا في مدينة العلمين المصرية يوم الأحد، واتفقت الدول الأربع على تنسيق الجهود العسكرية والاستخباراتية إذا امتدت الحرب في تيجراي، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز.
وحذّر مسؤول غربي سابق من أن الصراع لا يزال يدور حول إقليم تيجراي، لكنه بات على مسافة خطوة واحدة من التحول إلى حرب على البحر الأحمر. وإذا تقدمت القوات الإثيوبية نحو الساحل الإريتري، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل التحالفات العسكرية في القرن الأفريقي، وفتح جبهة جديدة تتداخل فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية.
وبذلك، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة حدودية بين دولتين متجاورتين، بل باتت اختبارًا لتوازن القوى في البحر الأحمر، في منطقة تتقاطع فيها النزاعات الداخلية والتنافس على الموانئ والممرات البحرية والمصالح الأمنية، وسط مخاوف من اندلاع حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها.
https://www.middleeasteye.net/news/how-red-sea-came-brink-new-regional-war

